الشوكاني

109

فتح القدير

يحتقروا الإناث . ثم ذكر سبحانه أن هذه التسمية والقسمة المفهومة من الاستفهام قسمة جائزة فقال ( تلك إذا قسمة ضيزى ) قرأ الجمهور " ضيزى " بياء ساكنة بغير همزة ، وقرأ ابن كثير بهمزة ساكنة ، والمعنى : أنها قسمة خارجة عن الصواب جائرة عن العدل مائلة عن الحق . قال الأخفش : يقال ضاز في الحكم : أي جار ، وضازه حقه يضيزه ضيزا : أي نقصه وبخسه ، قال : وقد يهمز ، وأنشد : فإن تناء عنا ننتقصك وإن تغب * فحقك مضئوز وأنفك راغم وقال الكسائي : ضاز يضيز ضيزا ، وضاز يضوز ضوزا : إذا تعدى وظلم وبخس وانتقص ، ومنه قول الشاعر : ضازت بنو أسد بحكمهم * إذ يجعلون الرأس كالذنب قال الفراء : وبعض العرب يقول : ضيزى بالهمز ، وحكى أبو حاتم عن أبي زيد أنه سمع العرب تهمز ضيزى ، قال البغوي : ليس في كلام العرب فعلى بكسر الفاء في النعوت إنما تكون في الأسماء مثل ذكرى . قال المؤرج : كرهوا ضم الضاد في ضيزى وخافوا انقلاب الياء واوا وهي من بنات الواو ، فكسروا الضاد لهذه العلة كما قالوا في جمع أبيض بيض ، وكذا قال الزجاج : وقيل هي مصدر كذكري ، فيكون المعنى : قسمة ذات جور وظلم . ثم رد سبحانه عليهم بقوله ( إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ) أي ما الأوثان أو الأصنام باعتبار ما تدعونه من كونها آلهة إلا أسماء محضة ، ليس فيها شئ من معنى الألوهية التي تدعونها ، لأنها لا تبصر ولا تسمع ولا تعقل ولا تفهم ولا تضر ولا تنفع ، فليست إلا مجرد أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ، قلد الآخر فيها الأول ، وتبع في ذلك الأبناء الآباء . وفي هذا من التحقير لشأنها ما لا يخفى كما تقول في تحقير رجل : ما هو إلا اسم إذا لم يكن مشتملا على صفة معتبرة ، ومثل هذه الآية قوله تعالى - ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها . يقال : سميته زيدا وسميته بزيد ، فقوله سميتموها صفة لأصنام ، والضمير يرجع إلى الأسماء لا إلى الأصنام : أي جعلتموها أسماء لا جعلتم لها أسماء . وقيل إن قوله " هي " راجع إلى الأسماء الثلاثة المذكورة ، والأول أولى ( ما أنزل الله بها من سلطان ) أي ما أنزل بها من حجة ولا برهان . قال مقاتل : لم ينزل لنا كتابا لكم فيه حجة كما تقولون إنها آلهة ، ثم أخبر عنهم بقوله ( إن يتبعون إلا الظن ) أي ما يتبعون فيما ذكر من التسمية والعمل بموجبها إلا الظن الذي لا يغني من الحق شيئا ، والتفت من الخطاب إلى الغيبة إعراضا عنهم وتحقيرا لشأنهم فقال ( وما تهوى الأنفس ) أي تميل إليه وتشتهيه من غير النفات إلى ما هو الحق الذي يجب الاتباع له . قرأ الجمهور " يتبعون " بالتحتية على الغيبة ، وقرأ عيسى بن عمر وأيوب وابن السميفع بالفوقية على الخطاب ، ورويت هذه القراءة عن ابن مسعود وابن عباس وطلحة وابن وثاب ( ولقد جاءهم من ربهم الهدى ) أي البيان الواضح الظاهر بأنها ليست بآلهة ، والجملة في محل نصب على الحال من فاعل يتبعون ، ويجوز أن يكون اعتراضا ، والأول أولى . والمعنى : كيف يتبعون ذلك والحال أن قد جاءهم ما فيه هدى لهم من عند الله على لسان رسوله الذي بعثه الله بين ظهرانيهم وجعله من أنفسهم ( أم للإنسان ما تمنى ) أم هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة التي للإنكار ، فأضرب عن اتباعهم الظن الذي هو مجرد التوهم ، وعن اتباعهم هوى الأنفس وما تميل إليه ، وانتقل إلى إنكار أن يكون لهم ما يتمنون من كون الأصنام تنفعهم وتشفع لهم . ثم علل انتفاء أن يكون للإنسان ما تمنى بقوله ( فلله الآخرة والأولى ) أي أن أمور الآخرة والدنيا بأسرها لله عز وجل فليس لهم معه أمر من الأمور ، ومن جملة ذلك أمنياتهم الباطلة وأطماعهم الفارغة ، ثم أكد ذلك وزاد في إبطال ما يتمنونه فقال ( وكم من ملك في السماوات لا تغنى شفاعتهم شيئا ) وكم هنا هي الخبرية